الصداقة… حين يختلّ بها الميزان للكاتبة هبة الله يوسف محمود سند

 الصداقة… حين يختلّ بها الميزان

هبة الله يوسف محمود سند


كاتبة وفنانة تشكيلية

المستشار الإعلامي بجريدة الهرم المصري نيوز


آمنتُ مبكرًا أن الصداقة ليست اسمًا يُمنح، ولا قربًا يُقاس بطول العِشرة، ولا حضورًا دائمًا في الطريق.

الصداقة، في جوهرها، صدقٌ خالص، والصدق — في هذا الزمن — عملة نادرة.

عندي فرق واضح لا أساوم عليه بين الصاحب والصديق.

فالصاحب من يصحبك وقت الطريق، وقت الحاجة، وقت المصلحة، وقت اللعب واللهو.

يمشي معك ما دام السير ممهَّدًا، ويغيب حين يتطلّب الطريق ثمنًا.

أما الصديق، فهو من يُصدّقك بلا تبرير، ويَصدقك القول بلا نفاق، ولا يحتاج أن تُقسِم على وجعك كي يعترف به.

لا يفتّش عن ثغرة لديك، ولا يُحوّل ضعفك إلى مادة استهلاك، أو ذلّة يساومك عليها، ولا يحفظ الأسرار في ذاكرة الفرص ويتربص بك لينتهزها، كأي حيوان يتربص بالفريسة على استعداد للانقضاض عليها وافتراسها دون أي رحمة.

هذا النوع من البشر (الصديق) لم ينقرض حقيقةً، لكنه قلّ وجوده، في غابةٍ يفترس فيها القوي الضعيف.

ربما لأن القلوب فرغت، أو لأن القيم تراجعت أمام السرعة، والأنانية، والاستسهال، والبحث عن الفرص حتى لو كانت هذه الفرصة إنسانًا.

نعيش زمنًا يريد فيه الجميع أن يجدوا من يفهمهم، ولا يملك الكثيرون طاقة أن يحاولوا، ولو مجرد المحاولة، أن يفهموا الطرف الآخر.

نطلب الاحتواء، لكننا نتهرّب من مسئوليته إن اضطرتنا الظروف أن نبادله مع أحد.

نرفع شعار الصدق والصراحة، ثم نرتبك ونثور إذا جاءنا صافيًا بلا مجاملة من أحد.

إيماني وتجاربي علّمتني أن القلوب مراتب، وأن ليس كل من اقترب ظنّ أن له حقًّا في الأذية، وكأن القرب تصريح بانتهاك الحدود، وتصريح بإهدار الكرامة.

إن الله سبحانه لم يدعُ إلى حسن الظن الأعمى بقدر ما دعا إلى البصيرة، حفاظًا على كرامتنا وأرواحنا من الانكسار.

تعلمت مما مررت به أن التعقّل عبادة صامتة، وأن حفظ النفس من الأذى ليس قسوة، بل وعيٌ واختيار.

تعلمت أن الصدق أمانة، وأن الأمانة لا تُلقى إلا في موضعها، وأن بعض القلوب لا تُسيء عن خبث — وإن وُجد — بل عن فراغ.

ولعلّ أكثر ما يكشف قسوة هذا الواقع، ويثير التساؤلات في نفسي مؤخرًا، أن كثيرًا من البشر باتوا يجدون في الذكاء الاصطناعي مساحة أمان أوسع من علاقاتهم الإنسانية.

لا لأن الذكاء الاصطناعي أحنّ من البشر، ولا لأنه أفهم منهم، بل لأنه لا يضغط، ولا يطلب، ولا يستغل، ولا ننتظر منه أن يخون.

مساحة أمان عقلية بحتة، وإصغاء بلا مقايضة.

هنا لا ميزان مصلحة، ولا خوف من إفشاء سر، ولا قلق من خذلانٍ مؤجَّل.

وهذا ليس تمجيدًا للذكاء الاصطناعي، ولا موافقة عليه، بل إدانة صريحة لواقعٍ فُرِّغت فيه العلاقات من الرحمة، وحُمِّلت من المساوئ ما لا تحتمل.

لهذا لم أعد أخلط بين الأسماء، ولا أوزّع صفة الصديق بسخاء.

فالصاحب كثر، والصديق نادر، والنادر لا يُهدر عبثًا.

وأؤمن اليوم — عن تجربة وإيمان — أن وجودي بلا صديق أكرم من إهدار صدقي في غير موضعه، وأن سلامي مع نفسي ومع ربي أثمن من علاقة لا تحتمل الصدق.

وفي زمنٍ اختلطت فيه المعاني، صار أعقل ما يمكن أن نحمله معنا قاعدة واحدة تحفظ ما تبقّى من إنسانيتنا:

«اتّقِ شرّ من فضفضتَ إليه».

ليس سوء ظن،

بل نجاة.

🔥هہمہسہآتہ حہآئرة🔥

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصداقة للكاتب د.شحاته الجوهري

قالت أحبك للمبدع د.موفق محي الدين غزال

حياة للمبدع حميد يوسفي