وكبرنا يا صديقي للشاعر حسين عبدالله جمعه
وكبرنا يا صديقي...
قال لي صديق في لاندسكرونا – السويد:
«أصلاً… مش راح تلحق».
قالها بهدوء،
لا ليُحبطني،
ولا ليكسر حلماً،
بل كمن يضع مرآةً أمام وجهك دون اعتذار.
سقطت العبارة على سمعي كصاعقة.
قلّبتها يمينًا ويسارًا،
قذفتها إلى الأعلى،
ثم أسقطتها إلى الأسفل،
لكنها بقيت أمامي…
ثابتة،
تؤكد حقيقتها في كل مفصلٍ من مفاصل الحياة.
صديقي يعرف مملكته جيدًا:
السويد الجميلة بقوانينها،
الباردة بقراراتها،
الصارمة مع القادمين من شرقٍ مندفع،
سريع الأحلام،
متوهّج الطموح.
هناك، تكتشف كل يوم
أنه حتى لو كان حلمك أعلى من الجبال،
وعزيمتك أقسى من حجر الصوان،
وأعنَد من شمشون الجبّار،
فإنك ستصطدم…
لا بالجدار،
بل بعدّاد العمر
وهو يدور،
بلا رحمة،
ولا توقّف.
تدرك أخيرًا أنك تكبر.
وستستمر في الكِبر…
لا محال.
حتى لو رفض داخلك الاعتراف،
ذلك الداخل الذي لا يعرف قاموس الكهولة،
وحتى لو خانك مظهرك الخارجي
وأوهم من يراك أنك ما زلت شابًا،
فأنت…
تعرف الحقيقة.
العمر، لو تدري، قصير.
قصير حين تتقدم لوظيفة،
قصير حين يناديك الناس:
«يا عم»
أو «يا حاج»،
فتنتفض روحك من الداخل
رافضة هذا النداء،
كأنك تريد أن تقول:
«ليس بعد… ليس أنا».
والأقسى…
حين تكون المنادِية
صبيةً فاتنة،
جميلة،
تنظر إليها بعين شبابٍ
أفل نجمه منذ زمن،
وما زالت ذكراه تعشّش فيك،
بينما هي…
تراك رجلًا آخر.
ثم يأتي الجسد،
ذلك الرفيق القديم،
ليخونك فجأة،
ويؤكد مقولة صديقك
بلا مجاملة.
وسط هذا العصف،
تتذكر من ماتوا بالأمس،
ومن يموتون اليوم،
ومن سيموتون بعد حين.
كان لهم أحلام،
ومشاريع،
وتجارات،
ومواعيد…
رتّبوا لها كل شيء.
لا أكتب سوداويًا،
ولا أتزيّن بالتشاؤم،
لكنني أكتب بواقعية،
ولهذا
قد تبدو نصوصي حزينة.
هنيئًا لمن عرف الطريق
واستعدّ له.
فمهما كبر الإنسان،
يبقى فيه شيءٌ صغير،
عنيد،
يرفض مغادرة مرحلة الشباب،
ويرفض بشدّة
الاعتراف بالكَهولة.
يقول الله تعالى في سورة النحل:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾
إنها الدنيا يا صديقي…
ولا يسعني القول إلا:
وكبرنا يا صديقي.
حسين عبدالله جمعه
،سعدنايل- لبنان

تعليقات
إرسال تعليق