أرشيف الصمت للكاتب محمد الحسيني


 إذا كان اللسانُ هو ما يُعرِّفُنا، فمَن نكونُ حين نفقدُ القدرةَ على الكلام؟ هل الصمتُ موتٌ، أم ولادةٌ جديدة؟

★★★


أرشيفُ الصمتِ: سِفْرُ الجلودِ المنسيّة (2)


«كتابُ اللسانِ المخيط»


★ الهروبُ المستحيل


براغ، كنيسةُ العظامِ في سيدليتس، منتصفُ الليل. لم تَعُدْ فيرا هارو إلى مكتبِ الشرطة. لم تكتبْ تقريرًا. لم تُخبِرْ أحدًا عمّا رأتْ. لأنّها تعرف: الكلماتُ تخونُ مَن ينطقُها.


هربتْ من الدير إلى المكانِ الوحيدِ الذي ظنّتْ أنّ الموتى فيه صادقون: كنيسةُ العظام. أربعون ألفَ هيكلٍ عظميٍّ مرصوفةٌ كديكورٍ مُقدَّس؛ جماجمُ تُشكِّلُ ثُريّاتٍ، وعظامٌ تبني أعمدةً وأقواسًا.


جلستْ بين الجماجم، تحاولُ أن تفكِّر. لكنّ التفكيرَ نفسَه أصبح خطرًا. فكلّما فكَّرتْ في الأرشيفيّ، شعرتْ بشيءٍ يُكتَبُ على لسانها: حروفٌ تنحتُ نفسَها في اللحمِ الرطبِ داخلَ فمها.


فتحتْ فمَها أمام مرآةٍ صغيرة. على لسانها، بحبرٍ أسودَ لم تضعْهُ بنفسها، كُتِبَتْ كلمةٌ واحدة: اقرئي.


★★ سيفيرينُ الممسوس


في اللحظةِ نفسِها، في مشفى الأمراضِ النفسيّةِ ببراغ. لم يكن سيفيرين آش صامتًا كما قال التقريرُ الطبّيّ. كان يتكلّم. لكن ليس بصوتِه.


الممرِّضون سمعوه يهمسُ بلغاتٍ ميّتة: اللاتينيّةِ القديمة، الآراميّة، السومريّة. وأحيانًا، بصوتِ امرأةٍ. صوتِ لينور فوس.


«أنا لم أمُتْ. أنا انتقلتُ. من الجلدِ إلى الورق، ومن الورقِ إلى القارئ. الآن أنا في دمِه. أتنفّسُ برئتَيْه. أفكِّرُ بدماغِه. وقريبًا، سيكتبُني هو أيضًا على جسدِ امرأةٍ أُخرى».


الطبيبُ النفسيّ، د. توماس غريم، رجلٌ لا يؤمنُ بالأرواح، لكنّه يؤمنُ بالعقلِ الباطن. سجَّلَ كلَّ كلمة. ثمّ، في إحدى الليالي، وجدَ سيفيرين واقفًا أمام نافذةِ الغرفةِ المغلقة، يكتبُ على الزجاجِ بإصبعه، بدمٍ من شفتيه المشقوقتين:


«الكتابُ الثاني ينتظرُكَ يا دكتور. اسمُه: كتابُ اللسانِ المخيط. وبطلُه: أنت».


ابتسمَ الدكتورُ غريم ابتسامةً علميّة. قرّر أن يذهبَ بنفسِه إلى مكتبةِ ستراهوف، ليُثبِتَ أنّ كلَّ هذا هلوسةٌ جماعيّة. كان خطأه الأوّل: أن يعتقدَ أنّه يستطيعُ دراسةَ اللعنةِ دون أن يُلعَن.


★★★ الكتابُ الثاني


مكتبةُ ستراهوف، القبوُ المُحرَّم، الفجر. عادتْ فيرا. لا لأنّها تريد. بل لأنّ اللسانَ في فمِها لم يتوقّفْ عن الكتابةِ عليه.


كلّما حاولتْ أن تأكل، تذوَّقتْ حبرًا. وكلّما حاولتْ أن تشرب، ابتلعتْ كلمات. صار لسانُها ثقيلًا، كأنّه يحملُ كتابًا كاملًا.


دخلتِ القبو. الكتبُ الستّةُ المتبقّيةُ لا تزالُ على الرفّ. الكتابُ الثاني كان أصغرَ من الأوّل، لكنّه أثقل.


على غلافِه، منحوتٌ بسكّينٍ حادّة: «فيليكس».


فتحته بحذر. هذه المرّة لم تكن يدًا مقطوعة. كان لسانًا بشريًّا، مخيطًا بخيطٍ من شعرٍ بشريّ، ممدودًا على صفحةٍ من جلدٍ رماديّ. وعليه، منقوشٌ بإبرة:


«كنتُ واعظًا ذاتَ مرّة. لساني كان يُخرِجُ الشياطينَ من الصدور. كلماتي كانت سُلَّمًا إلى السماء. آلافُ الناس استمعوا إليَّ، بكوا، تابوا، آمنوا. لكنّني كنتُ كاذبًا.


كنتُ أحفظُ الكتبَ المقدَّسة وأنا لا أؤمنُ بحرفٍ واحدٍ منها. كنتُ أبيعُ الأملَ وأنا مُفلِسٌ من اليقين.


هو عرفَ. الأرشيفيّ. قال لي: لسانُكَ سلاحٌ كاذب. كلماتُكَ دخانٌ بلا نار. سأحوِّلُ لسانَكَ إلى كتاب، وكلماتِكَ إلى حقيقة. حقيقةِ الصمتِ الأبديّ.


قطعَ لساني بمقصٍّ من فضّة. لم أستطعِ الصراخَ؛ لأنّ الصراخَ يحتاجُ لسانًا.


خاطَ لساني بخيطٍ من شعرِ ضحاياه السابِقين. كلُّ غرزةٍ اعترافٌ مسروقٌ من روحٍ ميّتة. وكلُّ عُقدةٍ وعدٌ لم أُنفِّذه.


قال لي وهو يخيط: اللسانُ الذي كذبَ يُصبحُ كتابًا يقولُ الحقيقة. ومَن يقرأ هذا الكتاب، يفقدُ قدرتَه على الكلام إلى أن يُخيَّطَ لسانُه هو أيضًا.


الآن أنا هنا. صامتٌ إلى الأبد. وأنتِ، يا مَن تقرئين، تشعرين به، أليس كذلك؟ لسانُكِ يثقُل. الكلماتُ تتعثّرُ في حلقِكِ. قريبًا، لن تستطيعي النطق. وسيأتي الأرشيفيّ، ليقصَّ لسانَكِ، ويخيطَه في الكتابِ الثامن. كتابِكِ».


أسقطتْ فيرا الكتاب. حاولتْ أن تصرخ. لا صوت. توقّفَ لسانُها عن الحركة، كأنّه مخيطٌ من الداخل.


★★★★ الطبيبُ الذي أصبح نصًّا


في تلك اللحظة، دخلَ الدكتورُ توماس غريم القبو. رأى فيرا تمسكُ حلقَها، وعيناها مذعورتان. ركضَ نحوها. «ما الذي حدث؟! هل أنتِ بخير؟!»


أشارتْ إلى الكتابِ الثاني. التقطَه، قرأ الصفحةَ الأولى. ابتسمَ ابتسامةً ساخرة: «هذا مجرّدُ إيحاءٍ نفسيّ. أنتِ تُصدِّقين اللعنةَ فتتحقّق. لا شيء حقيقيّ هنا».


حاول أن يتكلّمَ ثانيةً. لم يستطع. توقّفَ لسانُه هو أيضًا.


نظرَ إلى فيرا بعينين واسعتين. ثمّ إلى الكتاب. على الصفحةِ التالية ظهرتْ كلماتٌ جديدة، تُكتَبُ بنفسها:


«مرحبًا، دكتور غريم. أنتَ الآن جزءٌ من القصّة. لسانُكَ يُكتَب. أفكارُكَ تُؤرشَف.


تعتقدُ أنّ اللعنةَ وهمٌ، لكنّ الوهمَ نفسَه حقيقة. لأنّ الإيمانَ باللعنةِ يكفي لتحقيقِها.


الواقعُ ليس ما يحدث، بل ما نؤمنُ أنّه يحدث. وأنتَ، يا دكتور، آمنتَ بأنّ العلمَ يحميك. لكنّ العلمَ لا يُفسِّرُ كلَّ شيء. هناك أشياءُ أقدمُ من العقل. أشياءُ تعيشُ في الرموز، في الحروف، في الجلد. أنتَ الآن تنتمي إليها».


★★★★★ الأرشيفيّ يظهر


من الظلّ خرجَ إيراسموس سايفر. المعطفُ الجلديّ الأسود يجرُّ على الأرض. قناعٌ من صفحاتٍ ممزَّقة يُخفي وجهَه. العينان الفارغتان تريان كلَّ شيء.


في يدِه مقصٌّ من فضّةٍ قديمة، وإبرةٌ ضخمةٌ بخيطٍ من شعرٍ بشريّ. همسَ بصوتٍ كحفيفِ الورقِ الجافّ:


«اللسانُ أخطرُ عضوٍ في الجسد. به نكذب، نخون، نَعِدُ ولا نُنفِّذ. اللسانُ يبني حضاراتٍ ويهدمُها. يُشعِلُ حروبًا ويُخمِدُ أحلامًا.


لذلك، يجبُ أن يُحفَظَ اللسانُ: مخيطًا. صامتًا. كتابًا.


أنتما جاهزان. لسانُ فيرا، ولسانُ الدكتور، سيصيران صفحتين جديدتين في كتابٍ أكبر. كتابٍ لم يُكتَبْ بعد. كتابِ الصمتِ النهائيّ».


اقتربَ منهما. حاولتْ فيرا الهربَ، لكنّ جسدَها لم يتحرّك. حاولَ الدكتورُ المقاومةَ، لكنّ عضلاتِه تجمَّدت. فتحَ الأرشيفيّ المقصَّ.


★★★★★★ الهروبُ عبر الفلسفة


في تلك اللحظة، فعلتْ فيرا شيئًا لم يتوقّعه الأرشيفيّ. كتبتْ.


على الأرض، بدمِها من يدِها المجروحة، كتبتْ:


«إذا كانت الكلماتُ هي اللعنة، فالصمتُ هو الخلاص. وإذا كان اللسانُ هو الخطيئة، فالكتابةُ بلا لسانٍ هي الهروب».


توقّفَ الأرشيفيّ. نظرَ إلى الكلماتِ المكتوبةِ بالدم. همسَ، وللمرّةِ الأولى، كان في صوتِه دهشة:


«أنتِ… فهمتِ. لم تقرئي فقط. أنتِ كتبتِ.


الكتابةُ هي النقيض. القارئُ يُبتَلع، لكنّ الكاتبَ… يُقاوم».


ضحكَ ضحكةً جافّة: «لكنّ الكتابةَ أيضًا لعنة. ستعرفين ذلك… في الكتابِ الثالث».


واختفى.


★★★★★★★ النهايةُ المؤقّتة


استعادَتْ فيرا والدكتورُ غريم قدرتَهما على الكلام، ببطء. لكنّ لسانَ كلٍّ منهما حملَ ندبةً: خطًّا رفيعًا من خياطةٍ غير مرئيّة.


همسَ الدكتورُ بصوتٍ متشقِّق: «ما الذي يريده؟»


نظرتْ فيرا إلى الكتبِ الخمسةِ المتبقّية: «يريدُنا أن نقرأها كلَّها. كلُّ كتابٍ يُحوِّلُنا قليلًا. يسرقُ جزءًا منّا. وفي النهاية، سنُصبحُ نحن الكتابَ الأخير».


على الحائط، بحبرٍ أسود، ظهرتْ رسالةٌ جديدة:


«الكتابُ الثالث ينتظرُكما. كتابُ العيونِ المفقوءة. لتَرَيا ما لا يُرى».


✍️ محمد الحسيني


— لبنان


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصداقة للكاتب د.شحاته الجوهري

قالت أحبك للمبدع د.موفق محي الدين غزال

حياة للمبدع حميد يوسفي