ظهر الفساد للكاتب عبد الغفار حسين عبد الغفار


 ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾.

             الروم (41)

الآية لا تصف تشخيصاً لمشكلة كونية فحسب، بل تضع "قانوناً كونيا" للعلاقة بين فعل الإنسان وواقع الحياة.

فالفساد في القرآن الكريم ليس مجرد "رشوة" أو "سرقة"، بل هو خروج الشيء عن طبيعته السوية وصلاحه. ومن أهم علاماته:

¤  ​اضطراب الموازين:

     •   أن يصبح "الحق" غريباً 

     •    و"الباطل" مألوفاً،

     •   ويُخوّن الأمين 

     •    ويُؤتمن الخائن.


¤ ​الجور البيئي والمناخي: الآية ذكرت "البر والبحر"؛مثل

     •   التلوث، 

     •  وتدمير الموارد الطبيعية،  

     •   واختلال التوازن البيئي 

كلها علامات مادية للفساد الناتج عن الجشع الإنساني.


¤​تفكك الروابط الاجتماعية: 

  •  ضياع الرحمة، 

  •   والظلم الاجتماعي، 

  •   وأكل الحقوق بغير حق.


¤ ​الاستكانة العامة:  

 أخطر علامات الفساد أن يصبح "قدراً لا يمكن تغييره"، 

فيتوقف الناس عن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".


الآية تضع اليد على الجرح الغائر في واقعنا. 

☆  أثر الفساد والعقاب الإلهي :

    ​العقاب في هذه الآية ليس 

    انتقاماً محضاً، بل هو

   "جزاء من جنس العمل":

¤  ​الحرمان من البركة: 

    يقل الرزق وتضيق المعيشة 

    رغم  وفرة الإمكانيات

    (بما كسبت أيدي الناس).


¤ ​الذوق المر للنتائج: 

{لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا}؛ 

أي أن الله يجعل الإنسان يتذوق مرارة قراراته الخاطئة وظلمه (غلاء، أوبئة، صراعات).

¤ ​القلق النفسي والاضطراب: يفقد الناس الأمان النفسي والمجتمعي، ويصبح الخوف هو المحرك الأساسي.


☆ ​ وماذا بعد؟ (طريق الخروج)

     ​الآية لم تنتهِ بالعقاب، بل

     انتهت بالأمل: 

      {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.


¤ الحل يكمن في:

  ▪︎ ​الوعي بالمسؤولية: الإدراك 

   بأن ما نعيشه ليس "حظاً سيئاً" 

   بل هو نتيجة فعل بشري تراكمي 

   يمكن تغييره.


▪︎ ​الإصلاح الفردي: "الرجوع" يبدأ

    من النفس. إذا كفّ كل واحد 

    منا عما يفسد دائرته الصغيرة،

    سيبدأ الانحسار.


▪︎​رفض الاستكانة: الإيمان بأن 

   • الفساد حالة "طارئة" مهما

   طالت، وأن الأصل هو الصلاح.  

▪︎ التغيير يبدأ بمقاومة 

          "الاعتياد" على الخطأ.


☆ ​التوبة الجماعية: الرجوع إلى قيم 

العدل، 

الأمانة، 

وإعمار الأرض بدلاً من إهلاكها.


. ​الفساد كالمرض في الجسد، 

. والألم الذي نشعر به (العقاب) هو "إنذار" من الله ليدفعنا للعلاج قبل

 هلاك الجسد بالكامل.


وتُعد قصة نبي الله شعيب عليه السلام، الملقب بـ "خطيب الأنبياء"، النموذج الأبرز في القرآن الكريم لمواجهة الفساد الممنهج، 

 . وخاصة الفساد الذي يتغلغل في

   بنية الدولة والاقتصاد والمجتمع

  حتى يظن الناس أنه 

          "ذكاء" أو "شطارة".


​لقد واجه شعيب عليه السلام قومه (أهل مدين) في ثلاث جبهات متوازية، تصف تماماً كيف يُستأصل الفساد من جذوره:

​١. مواجهة "تطبيع" الفساد الاقتصادي

​كان قوم مدين قد اخترعوا نظاماً اقتصادياً قائماً على التطفيف (بخس الناس أشياءهم) والغش في الموازين. لم يكن هذا مجرد خطأ فردي، بل كان "سياسة عامة" يسير عليها الجميع.

​كيف واجههم؟ لم يكتفِ بالوعظ، بل وضع لهم البديل:

 {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

 أخبرهم أن "الربح الحلال" وإن قلّ، فيه بركة ونماء وتنمية مستدامة،

 بينما الربح القائم على الفساد هو دمار محقق في النهاية.

( ​الدرس: مواجهة الفساد تبدأ بطرح "بديل أخلاقي" وإقناع الناس أن المكسب السريع الناتج عن الظلم هو خسارة طويلة الأمد ).


​٢. مواجهة "الفلسفة التبريرية" للفساد

​عندما دعاهم شعيب للإصلاح، سخروا منه بحجة

 "الحرية الشخصية"

 و"فصل الدين عن الاقتصاد"، فقالوا: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ}.

​كيف واجههم؟

 أكد لهم أن "المال" ليس ملكية مطلقة للإنسان يفعل بها ما يشاء من ظلم، بل هو أمانة مرتبطة بالحق والعدل.

​الدرس: الفاسدون دائماً ما يبررون فسادهم تحت مسميات "الحرية"، "تطوير العمل"، أو "مسايرة السوق". المواجهة تتطلب كشف هذه الأغلفة وتسمية الفساد باسمه الحقيقي.

​٣. مواجهة "الترهيب وقطع الطريق"

​كان الفساد في مدين قد وصل إلى حد "البلطجة" الرسمية: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}. كانوا يرهبون المصلحين ويضيقون عليهم حياتهم ومعاشهم.

​كيف واجههم؟ بمنطق القوة النفسية والثبات: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ}. أعلنها صريحة أن هدفه ليس السلطة ولا المال، بل "الإصلاح" كغاية سامية.

​الدرس: المصلح الحقيقي لا يستسلم لاستكانة الناس ولا لتهديد الفاسدين، بل يركز على "المستطاع" من الإصلاح.

​"وماذا بعد" في نموذج شعيب؟

​لقد حذرهم شعيب من سنة كونية (مرتبطة بالآية التي ذكرتَها في سؤالك الأول): أن الفساد يؤدي إلى "الاستئصال" إذا لم يتم تداركه. وعندما رفضوا الإصلاح واعتبروا شعيباً "ضعيفاً" فيهم، جاءت الصيحة والرجفة التي أخذت الظالمين.

​الخلاصة من نموذج شعيب عليه السلام:

¤ الفساد لا يزول بمجرد الدعاء، بل بـ:

​كشف الزيف: وتوضيح أن الفساد هو "نقص" وليس "ذكاء".

​الثبات: عدم الانجرار خلف تبريرات المجتمع المريض ("كل الناس بتعمل كدة").

​ربط الاقتصاد بالأخلاق: فلا نجاح لمجتمع يغش في موازينه (المادية والمعنوية).

​هل ترى أن الفساد في عصرنا الحالي يشبه "تطفيف الموازين" في زمن شعيب، أم أنه اتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصداقة للكاتب د.شحاته الجوهري

قالت أحبك للمبدع د.موفق محي الدين غزال

حياة للمبدع حميد يوسفي