المحضر مغلق للكاتب محمد الحسيني


 المحضر مُغلَق.

الفصول... لا تنتهي.

وأنتَ، أيّها القارئ...

رقمك... كم؟


أرشيف الصمت: سِفْر الجلود المنسية 5


"كتاب الأرشيفيّ الأخير"


★ الصحوة في الجسد الخطأ

مكانٌ مجهول. ظلامٌ كامل.

فيرا هارو فتحَتْ عينيها.

لكنّها لم تستطع أن ترى.

ليس لأنّها عمياء.

بل لأنّ عينيها لم تكونا عينيها.

حاولَتْ أن تتحرّك.

يداها أثقل، أخشن، ترتعشان.

صوتها، حين همسَتْ، كان صوت رجل عجوز:

"أين... أين أنا؟"

لمسَتْ وجهها.

وجه رجل. لحية خشنة. جلد مترهّل.

ثم أدركَتْ.

كانت في جسد إيراسموس سايفر.

صرخَتْ، لكنّ الصوت الذي خرج كان صوته:

"لا! هذا مستحيل!"

حاولَتْ أن تقف، لكنّ الجسد لم يطعها.

كأنّ شخصاً آخر يُمسك العضلات من الداخل.

ثم سمعَتْ صوتاً، من داخل رأسها:

صوت إيراسموس:

"مرحباً، فيرا.

أنا هنا أيضاً.

نحن الآن... نتشارك."

في نفس اللحظة، مكانٌ آخر.

الدكتور توماس غريم استيقظَ ملقىً على أرضيةٍ باردة.

فتحَ عينيه.

كان في جسد طفل.

نظرَ إلى يديه الصغيرتين، شعرَ بخفّة الجسد،

لمسَ وجهه...

ثم أدركَ أنّ عينيه غير موجودتَين.

مكانهما حُفرتان فارغتان.

لكنّه كان يرى.

يرى كلّ شيء. أكثر من أيّ وقت مضى.

وسمعَ صوتاً، صوت الطفل، من داخل جمجمته:

"أهلاً، دكتور.

أنا هنا منذ ثلاثة آلاف عام.

وأنت... الآن تحمل كلّ ما رأيتُه."


★★ المكان المستحيل: قاعة الأجساد المعلّقة

فيرا (في جسد إيراسموس) استطاعَتْ أن تقف، بصعوبة.

مشَتْ في ظلامٍ دامس، تلمّسُ الجدران.

ثم، فجأةً، اشتعلَتْ شموع.

مئات الشموع، في كلّ مكان.

ووجدَتْ نفسها في قاعةٍ ضخمة.

لكن ما رأتْهُ جعلَها تتجمّد:

أجسادٌ بشرية، معلّقة من السقف بخطاطيف حديدية.

مئات الأجساد، عارية، شاحبة، متدلّية.

بعضها طازج، لا يزال ينزف.

بعضها محنّط، جافّ كالورق.

بعضها متحلّل، عظامه تتساقط.

وعلى صدر كلّ جسد، لوحة معدنية صغيرة:

"ماريا، 1782 - جسد رقم 14"

"يوهان، 1658 - جسد رقم 7"

"صوفيا هارو، 2014 - جسد رقم 203"

فيرا شهقَتْ.

رأَتْ جسد أمّها. معلّقاً. عارياً. ميتاً.

ركضَتْ نحوه، صرخَتْ:

"أمّي! أمّي!"

لكن حين لمسَتْ الجسد، كان بارداً كالثلج.

ثم، سمعَتْ صوتاً من الظلّ:

صوت سيفيرين آش:

"أمّكِ... ماتَتْ منذ عشر سنوات.

جسدها هنا.

لكن قلبها...

قلبها في دمية، في فيينا.

والدمية... تعمل. تطيع. لا تتذكّر أنها كانت إنساناً."

فيرا (بصوت إيراسموس المتشقّق) صرخَتْ:

"لماذا تفعلون هذا؟! ما الهدف؟!"

سيفيرين خرجَ من الظلّ، يرتدي معطفاً جلديّاً مُلطّخاً بالدماء:

"الهدف؟

الهدف بسيط، يا فيرا:

استبدال البشر.

البشر يموتون، يمرضون، يتمرّدون، يخطئون.

لكن الدمى؟

الدمى طائعة.

وحين تضع قلباً بشريّاً في دمية،

تحصل على شيءٍ مثاليّ:

كائنٌ يشعر، لكنّه لا يعصي.

هذا هو المستقبل.

ونحن، منذ مئتي عام، نُنفّذه.

الآن، هناك عشرات الآلاف منهم في أوروبا.

في المصانع، الجيوش، الحكومات، البيوت.

وقريباً...

سيكون الجميع دُمى."

★★★الدكتور يكتشف الحقيقة الكبرى

الدكتور غريم (في جسد الطفل) كان يتجوّل في ممرّات المكتبة.

حين دخلَ غرفةً صغيرة، وجدَ شيئاً غريباً:

مكتب خشبيّ قديم.

عليه أوراق، ملفّات، صور فوتوغرافية قديمة.

اقتربَ.

رأى صورة لإيراسموس سايفر، في شبابه، يرتدي زيّاً عسكريّاً.

وبجواره، ضابط شرطة.

الضابط كان يبتسم، ويده على كتف إيراسموس.

الدكتور قرأ الاسم المكتوب خلف الصورة:

"الكابتن فريدريك هارو، شرطة براغ، 1953."

هارو.

نفس اسم عائلة فيرا.

قلبَ الصفحات بسرعة، قرأ تقريراً قديماً:

*"تقرير سرّي - شرطة براغ - 1953

القضية: اختفاء 47 شخصاً في براغ خلال عام واحد.

المحقّق الرئيسي: الكابتن فريدريك هارو.

النتيجة: لا توجد أدلّة. القضية مُغلقة.

ملاحظة شخصية من الكابتن هارو:

"لقد عثرتُ على المكتبة. عثرتُ على الكتب السبعة.

لكنني لن أُبلّغ.

لأنني أصبحتُ جزءاً منها.

أصبحتُ... أرشيفيّاً."

الدكتور شهقَ.

جدّ فيرا... كان أرشيفيّاً.

عائلة هارو بأكملها... جزء من الأرشيف منذ سبعين عاماً.

ثم، وجدَ ملفّاً آخر:

"ملف: فيرا هارو - محقّقة، شرطة براغ.

تاريخ الميلاد: 1989.

الحالة: مُختارة لتكون الأرشيفيّة الرابعة."

الدكتور أسقطَ الورقة من يديه.

همسَ، مرعوباً:

"فيرا... لم تكن تُحقّق في القضية.

هي... كانت القضية."


★★★★فيرا تواجه الحقيقة المُحطّمة

الدكتور (في جسد الطفل) ركضَ إلى قاعة الأجساد المعلّقة.

وجدَ فيرا (في جسد إيراسموس) واقفةً أمام جسد أمّها.

صرخَ بصوت الطفل:

"فيرا! يجب أن تعرفي شيئاً!"

ألقى الملفّات أمامها.

قرأَتْها.

وانهارَتْ.

سقطَتْ على ركبتيها، بجسد إيراسموس العجوز، وبكَتْ:

"أنا... أنا كنتُ جزءاً منهم؟

جدّي... أمّي... أنا؟

كلّ حياتي... كانت مُخطَّطة؟"

سيفيرين اقتربَ، وضعَ يدَهُ على كتفها:

"نعم، يا فيرا.

أنتِ لم تصبحي محقّقة بالصدفة.

أنتِ لم تُرسَلي لهذه القضية بالصدفة.

نحن اخترناكِ منذ ولادتكِ.

ورثتِ جينات جدّكِ، الكابتن هارو.

جينات الأرشيفيّين.

والآن، بعد أن قرأتِ الكتب السبعة،

بعد أن تبادلتِ الأجساد،

بعد أن فقدتِ هويّتكِ...

أنتِ جاهزة.

جاهزة لتصبحي... الأرشيفيّة الرابعة."


★★★★★فكرة الدكتور: الجريمة الحقيقية

لكن الدكتور (في جسد الطفل)، فجأةً، توقّف عن البكاء.

نظرَ إلى فيرا بعيون الطفل الفارغتَين، وهمسَ:

"فيرا... أنا أعرف كيف نوقفهم."

فيرا (في جسد إيراسموس) رفعَتْ رأسها:

"كيف؟!"

الدكتور ابتسمَ ابتسامةً غريبة:

"الجريمة.

منذ البداية، كنّا ننظر إلى هذا على أنّه لعنة، رعب، أرشيف.

لكن في الحقيقة...

هذه جريمة قتل متسلسلة.

جريمة استمرّت مئتي عام.

والجريمة... تحتاج إلى دليل.

وكلّ جريمة... لها شاهد."

فيرا حدّقَتْ فيه:

"ماذا تقصد؟"

الدكتور أشارَ إلى الأجساد المعلّقة:

"كلّ هذه الأجساد... أدلّة.

كلّ جسد، جريمة.

كلّ قلب مسروق، جريمة.

كلّ دمية، جريمة.

لكن لا أحد سجّلها.

لأنّ الأرشيفيّين... محوا السجلّات.

لكن أنتِ، يا فيرا...

أنتِ محقّقة.

وأنا، طبيب نفسيّ، شاهد على العقول.

إذا استطعنا توثيق كلّ هذا،

إذا استطعنا كتابة تقرير،

تقرير رسميّ، في محاضر الشرطة...

فالأرشيف... سينهار.

لأنّ الأرشيف يعتمد على السرّية.

إذا كُشِفَ...

إذا قُرِئَ...

إذا أصبحَ قضية رسمية...

سيفقد قوّته."


★★★★★★ الخطّة: كتابة التقرير الأخير

فيرا وقفَتْ، بجسد إيراسموس المُرهَق.

نظرَتْ إلى سيفيرين:

"أين دفتر التسجيل؟

الدفتر الذي يُسجّل فيه الأرشيفيّون كلّ الضحايا؟"

سيفيرين ابتسمَ:

"لن تجديه. إنّه محميّ. مخفيّ."

فيرا ابتسمَتْ ابتسامةً باردة:

"أنا الآن في جسد إيراسموس.

جسده يعرف.

عضلاته تتذكّر المكان.

يداه تعرفان كيف تفتح الأقفال."

ثم، بحركةٍ لا إرادية، مشَتْ نحو جدار في القاعة.

ضغطَتْ على حجرٍ معيّن.

انفتحَ بابٌ سرّيّ.

بداخله، خزنة حديدية ضخمة.

فتحَتْها (يدا إيراسموس تعرفان الرمز).

وأخرجَتْ دفتراً جلديّاً ضخماً.

فتحَتْه.

مئات الصفحات.

كلّها أسماء، تواريخ، طرق قتل، أماكن دفن الأجساد.

سجلّ كامل لـ 200 عام من الجرائم.

همسَتْ:

"هذا... هذا دليل."


★★★★★★★الهروب المستحيل: كتابة التقرير تحت النار

لكن سيفيرين وإيراسموس (الذي كان في جسد فيرا) لم يقفا مكتوفي الأيدي.

هاجموهما.

سيفيرين أخرجَ مشرطاً.

إيراسموس (في جسد فيرا) أخرجَ مسدّساً قديماً.

صرخَ سيفيرين:

"لن تخرجوا من هنا أحياء!"

فيرا (في جسد إيراسموس) والدكتور (في جسد الطفل) ركضا.

ركضا عبر ممرّات المكتبة، والدمى تطاردهم.

مئات الدمى، بقلوب بشرية، تركض خلفهم.

وصلا إلى غرفة صغيرة، أقفلا الباب.

فيرا فتحَتْ الدفتر، أخرجَتْ ورقة وقلماً من جيب إيراسموس.

وبدأَتْ تكتب:

*"تقرير رسميّ - شرطة براغ - 2025

المحقّقة: فيرا هارو

القضية: جرائم قتل متسلسلة، 1782 - 2025

عدد الضحايا المؤكّدين: 347

عدد الضحايا المُحتملين: أكثر من 2000

طريقة القتل: سرقة الأعضاء، استبدال الأجساد، تحويل البشر إلى دُمى ميكانيكية.

المتّهمون:

1. إيراسموس سايفر - الأرشيفيّ الأوّل

2. سيفيرين آش - الأرشيفيّ الثاني

3. فريدريك هارو (متوفّى) - الأرشيفيّ الثالث

الدليل: دفتر التسجيل، مُرفَق."

كتبَتْ بسرعة، بيد إيراسموس المرتعشة.

والدمى تكسر الباب.


★★★★★★★★ النهاية: التقرير يُقدَّم

حين كُسِرَ الباب،

فيرا انتهَتْ من الكتابة.

أمسكَتْ التقرير، ونظرَتْ إلى الدكتور:

"الآن... يجب أن نُرسله.

إلى الشرطة. إلى الإعلام. إلى العالم."

لكن الدكتور (في جسد الطفل) ابتسمَ ابتسامةً حزينة:

"لا داعي، يا فيرا."

أشارَ إلى النافذة.

الشمس كانت تشرق.

وفي الشارع، عشرات سيارات الشرطة.

الدكتور همسَ:

"أنا... أرسلتُ إشارة.

قبل أن ندخل المكتبة.

إشارة GPS، مع نسخة من كلّ ما اكتشفناه.

هم قادمون."

وفعلاً، اقتحمَتْ الشرطة المكتبة.

عشرات الضبّاط، مسلّحون، يصرخون:

"تجمّدوا! أيدٍ فوق الرؤوس!"

سيفيرين حاولَ الهرب، قُبِضَ عليه.

إيراسموس (في جسد فيرا) حاولَ إطلاق النار، أُصيب في الكتف، سقطَ.

وفيرا (في جسد إيراسموس) سلّمَتْ التقرير والدفتر لضابط الشرطة:

"هذا... دليل على جرائم استمرّت مئتي عام."


★★★★★★★★★ النهاية الحقيقية: التقرير الرسميّ

بعد ثلاثة أشهر.

مقرّ الشرطة المركزي، براغ.

على مكتب الكابتن يان نوفاك، ملفّ ضخم:

"القضية رقم 4782: أرشيف الصمت."

الكابتن فتحَ الملفّ، قرأ التقرير الأخير:

*"تقرير ختاميّ - محقّقة القضية: فيرا هارو

النتيجة:

- تمّ اعتقال سيفيرين آش.

- تمّ اعتقال إيراسموس سايفر (في جسد فيرا هارو).

- تمّ العثور على 347 جثّة في المكتبة.

- تمّ العثور على 2,143 دمية ميكانيكية في أنحاء أوروبا.

لكن...

فيرا هارو والدكتور توماس غريم...

لم يُعثَر عليهما.

آخر مرّة شوهدا: في المكتبة، قبل الاقتحام.

الحالة: مفقودان."

الكابتن أغلقَ الملفّ، تنهّدَ:

"مفقودان... أم هربا؟

أم... ماتا؟"

لكن في الصفحة الأخيرة من التقرير، كُتِبَتْ جملة بخطّ يد مختلف:

*"نحن لم نمُتْ.

نحن... تبادلنا.

وربّما...

ما زلنا هنا.

في أجساد لا تعرفونها.


★★★★★★★★★★ النهاية المفتوحة الحقيقية

اليوم، في مقهى بعيد في فيينا.

امرأة في الثلاثينات، شعر أسود، عيون زرقاء،

تجلس وحدها، تشرب قهوة.

تبدو عادية تماماً.

لكن حين تنظر في المرآة،

ترى وجهاً آخر لثانية واحدة.

وجه فيرا هارو.

ثم يختفي.

وفي مكتبة في لندن،

طفل صغير، بلا عينين، يجلس في الزاوية،

يقرأ كتاباً بأصابعه.

أحدهم يمرّ بجواره، يسأل:

"هل أنت بخير، يا صغير؟"

الطفل يبتسم:

"نعم. أنا فقط... أقرأ."


✍️ محمد الحسيني ــ لبنان



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصداقة للكاتب د.شحاته الجوهري

قالت أحبك للمبدع د.موفق محي الدين غزال

حياة للمبدع حميد يوسفي