إذا اردت أن تعرف للكاتبة شيماء عمر آل عمر
إذا أردت أن تعرف أحدًا فانظر إلى حديثه عن الناس وليس عن نفسه ، فالكلمات التي يختارها وهو يصف غيره تكشف قلبه أكثر مما تفعل الكلمات التي يصف بها ذاته ..
الإنسان قد يجيد رسم صورة جميلة عن نفسه ، وقد يعرف كيف يلمعها ويزينها ، لكنه حين يتحدث عن الآخرين ينسى الحذر ويظهر على سجيته ، فتخرج نظرته للحياة وللقلوب وللضعف وللخطأ كما هي بلا أقنعة ..
فمن يرى الناس بعين الرحمة غالبًا ما يحمل في داخله قلبًا واسعًا ، ومن يراهم بعين القسوة يعيش في عالم ضيق حتى لو بدا واثقًا ، حديث الإنسان عن غيره هو مرآة لداخله ، فإن كان حديثه مليئًا بالاحترام والإنصاف حتى مع من يختلف معهم فهذا يعني أن في روحه اتزانًا ونضجًا ، وإن كان كلامه لا يخلو من السخرية والتجريح والانتقاص فاعلم أن شيئًا في داخله يؤلمه أو يربكه فيحاول أن يخفف ثقله بإسقاطه على غيره ..
نحن لا نعرف الناس من مديحهم لأنفسهم بل من طريقة تعاملهم مع أخطاء الآخرين ، فهناك من يرى الخطأ فرصة للفهم وهناك من يراه فرصة للإدانة ، وهناك من يتحدث عن زلات غيره ليشعر بالتفوق ، وهناك من يذكرها ليبحث عن العذر ، والفرق بينهما ليس في الذكاء ولا في الثقافة بل في نقاء القلب وسلامة النية ..
من يحترم الناس في غيابهم غالبًا ما يحترمهم في حضورهم ، ومن يلوك سيرتهم بسوء خلف ظهورهم لن يكون أمينًا حين يبتسم في وجوههم ، لأن اللسان لا يخون وحده بل يكشف ما في الصدر ، وحين تسمع شخصًا يختار ألفاظه بعناية وهو يتحدث عن غيره حتى في لحظات الخلاف تدرك أنك أمام روح لا تحب أن تجرح حتى وهي تختلف ، أما من يتلذذ بذكر العيوب ويجمع الهفوات كما لو كانت غنائم فهو في الحقيقة يعيش صراعًا مع نفسه أكثر مما يعيش مع الآخرين ، لأن من كان متصالحًا مع ذاته لا يحتاج أن يصغر غيره ليشعر بحجمه ..
راقب حديث الناس عن من حولهم وستفهم طبيعة قلوبهم دون عناء ، فالكلمة التي تخرج عن الآخرين هي في حقيقتها شهادة عن صاحبها ، هي تخبرك إن كان يرى العالم بسعة أو بضيق ، بحب أو بخوف ، بثقة أو بحسد ، وحين تختار من تمنحه قلبك أو صداقتك لا تنظر إلى كم يمدح نفسه بل إلى كيف ي
ذكر غيره ، لأن من يحفظ كرامة الناس في كلامه غالبًا ما يكون جديرًا بأن تُحفظ كرامته في قلبك..

تعليقات
إرسال تعليق