لم يكن في البدء سجن للمبدع أ.محمد الرحال
لم يكنْ في البدءِ سجنٌ،
كان في البدءِ نورٌ،
وكانتْ حدودُ اللهِ
كالماءِ،
تغسلُ خطيئةَ الأرضِ.
لم يكنْ في دارِ عمرَ
قيدٌ،
ولا جدارٌ يبتلعُ النهارَ،
كان الناسُ أحرارًا
إلا من ذنبٍ
يُقيمُ عليه حدًّا،
ويُعيدُه إلى الطريق.
وحينَ اتّسعتْ الأرضُ،
وبنى عليٌّ من قصبٍ بيتًا،
لم يكنْ بيتًا للعقاب،
بل انتظارًا
كي يُفصلَ في أمرٍ،
كي لا يضيعَ الحقُّ في الزحام.
فالسجنُ ظلٌّ غريبٌ،
لم يشرّعهُ كتابٌ،
ولا سنّةٌ،
هو قيدٌ جاءَ من الناسِ،
لا من السماء.
يا أيّها العابرونَ،
لا تجعلوا من القيدِ وطناً،
ولا من الجدارِ حياةً،
فالحريةُ أصلٌ،
والحدودُ عدلٌ،
وما عدا ذلكَ
ظلالٌ ثقيلةٌ
تسقطُ على الروح.
أيّها الإنسانُ،
لا تجعلْ من القيدِ مرآةً،
فالمرآةُ تكسرُ وجهَك،
ولا تجعلْ من الجدارِ بيتًا،
فالبيتُ بلا نافذةٍ
قبرٌ صغير.
في البدءِ،
كان العدلُ نهرًا،
وكانت الحدودُ
أغصانًا خضراءَ
تردُّ الظلَّ إلى أصله،
وتعيدُ للروحِ توازنَها.
لكنّ السجنَ،
ظلٌّ ثقيلٌ،
يهبطُ من أكتافِ الناسِ،
ويزرعُ في القلبِ خوفًا،
ويقولُ:
هنا تنتهي الحياةُ،
وتبدأُ الغربةُ.
يا أيّها العابرونَ،
الحريةُ ليستْ حلمًا،
إنّها أصلٌ،
كما الهواءُ أصلٌ،
كما الضوءُ أصلٌ،
فلا تبيعوا الأصلَ
بأوهامٍ من طينٍ،
ولا تجعلوا من الانتظارِ
عقوبةً،
ومن الحبسِ حياةً.
فالإنسانُ،
حينَ يُحبَسُ بلا ذنبٍ،
يُحبَسُ معهُ النهارُ،
وتُحبَسُ معهُ الأغنيةُ،
ويصيرُ العالمُ
قفصًا كبيرًا
لا يليقُ بالسماء.
محمد توفيق رحال.

تعليقات
إرسال تعليق