حكايات من الماضي للشاعر د. عثمان أغزوت


 حكايات من الماضي…


كتبتُ هذه الحكاية بعدما عادت بي الذاكرة عبر صديقةٍ تجمعني بها هذه المساحة، من خلال صورةٍ التُقِطتها لرجلٍ يشفط السّبسي في غفلةٍ منه. صورةٌ بدت عابرةً في ظاهرها، غير أنّها ما إن استقرّت عيني على تفاصيلها حتّى تحرّكت طبقاتٌ خفيّة من ذاكرتي، واستدرجت أصواتًا قديمة، وروائح، ونظراتٍ كنتُ أظنّ أنّها قد نامت إلى الأبد.

لم تكن صورةً لتُشاهَد، بل لحظةً لتُستعاد. دخانٌ يخرج ببطء، وصمتٌ أثقل من الكلام، وماضٍ يتسلّل إلى الحاضر دون استئذان. عندها وجدتُني أعود طفلًا يُنصت أكثر ممّا يتكلّم، يختبئ في الهامش، ويجمع المعنى قبل اكتماله، كأنّ الحكاية كانت معلّقةً في الهواء، تنتظر نفسًا واحدًا ليُعيدها إلى الحياة.

شكرًا صديقتي، لقد كنتِ الشَّرارة التي ولَّدت الحكاية، وفتحتِ بابها على مهل، ومنحتِها سبب الوجود، حين أيقظتِ ما كان يظنّ نفسه منسيًّا.


شكرًا صديقتي، لقد كنتِ الشَّرارة التي ولَّدت الحكاية، وفتحتِ بابها على مصراعيه، ومنحتِها سبب الوجود، حين أيقظتِ ما كان يظنّ نفسه منسيًّا.


لكم الحكاية.

قراءة ممتعة...


حين يستدعي دخانُ الكيف الذاكرة

بين الأزقّة ألهو وألعب مع أقراني، لعبًا لم يبقَ من زمن المستعمر الإسباني إلا أثره، لا بوصفه ذكرى عابرة، بل باعتباره جزءًا ذاب في يومنا وصار من نسيج تكويننا. عند كلّ خروجٍ من القسم، كنّا نضع محافظنا وسط الزقاق كمرمى، فينفتح المكان على اتّساعه، ويتحوّل إلى ملعبٍ مفتوح، وتغدو الطفولة سلطةً صامتةً لا تُجادَل ولا تُفسَّر. كان المارّة يتفادون اندفاعنا، ونحن لا نأبه لا لإمامٍ ولا لعجوز، فالحماس يقود خطونا، والفرح يسري فينا دون حسابٍ أو ترتيب. كنّا نتحرّك بعفويّةٍ كاملة، كأنّ الأزقّة خُلِقت لنا، وكأنّ الزمن كان يفسح لنا المجال لنمرّ ونترك أثرنا، دون أن نسأل عن المعنى، لأنّ المعنى كان يسكننا قبل أن نبحث عنه.

في الحيّ تعلّمنا ما لم يكن يُقال في القسم. أساتذتنا الأجلّاء أدّوا رسالتهم بإخلاص، لقّنونا المهارات الصّلبة، وفتحوا لنا أبواب المعرفة المرسومة بعناية. كنّا نواظب ونجتهد ونتقن، ثمّ نغادر القسم إلى الشارع لنواجه درسًا آخر، بلا سبّورة ولا كراس.

هناك تعلّمنا المهارات النّاعمة، لا بوصفها مفهومًا يُشرح، بل باعتبارها حياةً تُعاش. تعلّمنا الإصغاء قبل الكلام، وفهم الآخر دون حاجةٍ إلى شرح، وضبط الانفعال حين يشتدّ، واحترام الجماعة دون أن نذوب فيها، ومعرفة حدود الذّات وهي تتشكّل داخل الآخرين، بهدوء، ومن دون أن نشعر.

لم نكن نعرف أنّ لهذه الأشياء أسماء، ولا أنّها ستُدرَّس يومًا أو تُقاس. كنّا نعيشها كما تُعاش الحياة حين تكون في أصلها، بحدسٍ صافٍ، وبإحساسٍ مرهفٍ لا يطلب تعريفًا ولا ينتظر تفسيرًا. لم نكن نلتفت إلى المُسمّيات، لأنّ التّجربة كانت أصدق من اللّغة، ولأنّ الحياة كانت تسبق الكلام بكيلومترات.

كانت الحياة مفعمةً بروح الجدّ، لا بالشّدّة، بل بالحضور. حضورٌ هادئٌ يتسلّل إلى الدّاخل دون إعلان، ويستقرّ حيث لا تصل الأصوات. روحٌ تنعكس كلّ صباح على الجدران البيضاء لتطّاون، لا لتزيّنها، بل لتوقظ فينا وعيًا يتشكّل في الصّمت. كانت تدخلنا ببطء، وتترك فينا أثرًا لا يمحوه الزّمن، لأنّه لم يُكتب على الورق، بل انغرس في الذّاكرة وصار جزءًا منّا.

ومن ذلك الأبيض الواحد كانت الألوان تتفكّك، لا على معنى الانفصال، بل على معنى الاتّساع. ألوانٌ تخرج من الأصل ثمّ تعود إليه، وتتحوّل إلى حكاياتٍ تغذّي المعرفة وتُنعش الذّاكرة. هنا تحسب الجميع عارفين مثقّفين، كأنّك في نادٍ ثقافيّ لا في أزقّةٍ باليةٍ تشهد على التّاريخ.

النّاس هنا حكماء بلا ادّعاء، وعلماء بالفطرة، يعيشون المعرفة كما يعيشون الخبز والماء. يظنّون أنفسهم مثل غيرهم في أرضٍ أخرى، ولا يعلمون أنّهم أحفاد ملوك الطّوائف، وأنّ العلم والمعرفة يجريان في عروقهم مجرى الدّم، في صمت، ومن دون حاجةٍ إلى إعلان.

الكلّ هنا آباؤنا، وكلّهنّ أمّهاتنا. نعيش بنفَسٍ واحد، كأنّنا مهدَّدون بالفراق في كلّ حين، كما تفرّق أجدادنا في الأندلس. البيوت بيوتنا جميعًا، والحيّ عائلةٌ مفتوحةٌ لا تُغلق أبوابها. كم من مرّةٍ حملني أحد جيراننا بين يديه وأنا نائم، بعدما غلبني النوم وأنا ألعب مع أولاده في بهو منزلهم، دون سؤالٍ ولا تردّد، لأنّ القربى هنا كانت إحساسًا قبل أن تكون نسبًا.

أكتب الآن وقد استوقفتني ذكرياتٌ لا يستطيع لا العقل ولا الفؤاد نسيانها. لا أنسى رائحة القهوة في الصباح الباكر، تخرج من شبابيك البيوت وأنا ألهو في طريقي نحو المدرسة. ولا أنسى رائحة الحريرة في رمضان، وأنا أعود مساءً، وقد فعل الصّوم بي ما فعل، وأنا لم أبلغ بعد، عنادًا مع أحمد ابن خالتي، الذي كان يكبرني بثلاث سنوات. ولا أنسى رائحة الحطب المنبعثة من الأفران والحمّامات التّقليديّة، رائحة دفءٍ لا تُشبه غيرها.

لم تكن تلك الروائح مجرّد عابرٍ يوميّ، ولم تكن تفاصيل تُنسى. أعطر العطور لم تستطع أن تمحو شفراتها، لأنّها لم تمرّ من الأنف فقط، بل سكنت الذّاكرة، واستقرّت في العمق، وصارت جزءًا منّي، كما لو أنّ المكان نفسه اختار أن يكتبني على طريقته.

سأعترف لك بشيء، لا لأنّه سرّ، بل لأنّ الاعتراف أحيانًا ترتيبٌ للذّاكرة. لم تُغرِني الأزقّة الملتوية، ولا غرف الدّور الأندلسيّة التطّاونيّة، بأن أخدع أبويّ أو أرتكب خطيئة. لم أضع في فمي قطّ لا كيفًا، ولا سيجارةً إسبانيّة، ولا نبيذًا. كنت أعرف حدّي بالفطرة، وأدرك أنّ بعض الأبواب إن فُتحت لا تُغلق بسهولة.

غير أنّي كنت أعشق رائحة الكيف المنبعثة من السِّبسي، خصوصًا حين يكون قد قُصّ باليد، لا بالعجلة. كنّا نحضر طقوس قصّ الكيف كما يُحضَر درسٌ غير مكتوب، ونحن نُسخّن أضلاعنا داخل بهو فرن طهي الخبز، أو تحت الأرض في مقصورة تسخين ماء الحمّام. كانت الأمكنة دافئة، واللّيل طويلًا، والكلام يسري ببطء، كأنّه يعرف أنّه سيُحفَظ.

لا أُخفيكم لذّتي وأنا أستنشق دخان الكيف. لم تكن لذّة تعاطٍ، بل لذّة حضور. لا أدري أكنت أحبّه لرائحته، أم لأنّي صرت مُدمنًا دون أن أدري، أم لأنّي كنت مُدمنًا على حكايات عمّي اليزيد، ذلك الرّجل السّتّيني الأنيق بلباسه وكلامه. كان صوته وحده كافيًا ليصنع نشوة، وكانت كلماته تُشبه سِبسيًّا آخر، يُنفخ في الرّأس لا في الفم.

كنت أختفي بين الجدران وحدي كلّ مساء، أتسلّل كما تتسلّل النشوة إلى الروح، حتّى أصل إلى تربيعة الجوزة، مكانٍ على هيئة غرفةٍ بلا سقف وبمخرجين، تُشرب فيه ألذّ كؤوس الشّاي المُنعنع، وتُخاط فيه جلابيب الصّوف. دكاكين متقابلة، كأنّها في جلسة حياة.

أجلس على الأرض، صغيرًا بين الكبار، لا أتكلم، أستمع فقط. وكان عمّي اليزيد كبيرهم، لا بسطوته، بل بمعرفته. هو الذي علّمهم فنّ شفط الكيف إلى آخر عرقٍ في المخ، وعلّمني، دون أن يقصد، كيف تُشفط الحكاية إلى آخر خيطٍ في الوعي. كان يردّد حكاياتٍ في التّاريخ، وفنون الحرب، والسّياسة. ومع كلّ نفخةٍ كنت أستنشق حكايةً، لا دخانًا. أسافر بعيدًا، وأنا الذي جمّد البرد ساقيه، لأعود آخر المساء إلى دارنا، ترشدني حيطان الأزقّة من شدّة نشوتي حتّى لا أقع، وأنا الذي لم يشفط قطّ ولو جرعةً واحدة من السِّبسي. كنت أعود محمّلًا بما هو أثقل من الدّخان، وأخفّ من الهواء، وأبقى إلى اليوم مدينًا لتلك الجلسات التي علّمتني أنّ بعض الإدمان لا يُدان، لأنّه كان طريقًا إلى الفهم.

فللسّبسي حكاياتٌ كثيرة، لا تُروى دفعةً واحدة، ولكلّ حكايةٍ دخانها الذي يعرف طريقه إلى الذّاكرة. أذكر يومًا كنت أجلس، كعادتي، أُنصت لحديث الكبار، لا أزاحمهم بالكلام، بل أتركه يدخلني كما يدخل الدّخان من أنفي. جاءت امرأةٌ ومعها طفلها المريض، وقد أصابه مكروه بعينيه، تسأل عن اليزيد، لينفخ دخان الكيف على عينيه، فذلك عندهم دواءٌ مُجرَّب لا يُجادَل. وكما كان يأتي غيرها ليُكوى بالشقف الحامي، موضع الكيف المشتعل، طلبًا للشفاء من الرّوماتيزم.

لكلّ سبسيّ مكانته، ولكلّ دخانٍ مذاقه، ولكلّ طقسٍ منطقه الذي لا يحتاج شرحًا. كان بينهم رجلٌ جاء من حيٍّ بعيد، يشكو صدرًا لم يهدأ من نزلة برد. جلس صامتًا، أخذ السِّبسي بين يديه كما لو أنّه يعرفه منذ زمن، نفخ نفخةً طويلة، ثمّ أخرى أقصر، وقال بهدوء إنّ السعال خفّ.

وكان بينهم شيخٌ لا ينفخ أبدًا، يكتفي بأن يُدير السِّبسي بين أصابعه، ويقول إنّ الرّائحة وحدها تكفيه، وإنّ الدّخان يُستنشق بالعقل قبل الفم.

إلى اليوم لا أعرف سرّ هذا الدّخان، ولا سحره، لا لأنّه شفاء، بل لأنّه طقسٌ يعرف كيف يصل إلى الدّاخل دون استئذان. وكان بينهم من يأتي فقط ليستمع. يجلس في الزّاوية، لا يطلب سبسيًّا ولا شايًا، ينتظر أن يبدأ الكلام. فإذا تكلّم عمّي اليزيد، سكت الجميع.

لم يكن السِّبسي عنده أداة شفط، بل مفتاحًا للذّاكرة. مع كلّ نفخةٍ يخرج تاريخ، ومع كلّ سعالٍ تُفتح حكاية، ومع كلّ صمتٍ تتكوّن حكمة. كنّا نرى الدّخان يصعد، لكنّنا كنّا نشعر بالمعنى ينزل ويستقرّ.

لم تفارقني لذّة ذلك الدّخان. كلّما اشتقت إلى طفولتي، وإلى نفسي كما كانت، أتوه بين أزقّة المدينة العتيقة، أبحث عن ظلّي بين الدّروب، حتّى أضع رحالي بين روّاد الشّفط. مع كلّ نفخةٍ أستدعي حكاية، وأرتّبها في خاطري لأواصل الدّرب كما عاهدت عمّي اليزيد. لكن لا عمّي اليزيد هنا، ولا الجلسات كما كانت، ولا السِّبسي يحمل ثقل الحكاية نفسها. بقي الأثر، وبقيت الذّاكرة، وبقيت أنا أرتّب ما تبقّى، بصمتٍ أعرفه جيّدًا.

تغيّرت الحياة، لا لأنّها أرادت، بل لأنّ أحدًا ما حرّكها من الخلف. دخلها أناسٌ جدد، بأصواتٍ عالية، ولغاتٍ لا تحفظ الصمت، ودخانٍ يصعد بلا أثر.

معذرة…

ها أنا أتمهّل عند آخر رشفة، أُطيل الجلوس مع دفء كأس الشّاي المُنعنع الذي أعدّه حميدو على عجل، كأنّه يعرف أنّ هذه اللحظة لا تُستعاد. هناك، كنتُ قد أطلقتُ الخيال ليتقدّم وحده، لا هروبًا، بل عودةً إلى ما كان. أعتذر منك؛ لقد اخترتُك دون أن أستأذنك لترافقني، شاهدًا لا عابرًا، لتستحضر زمنًا إذا فكّر في الرجوع، فلن يجد طريقه إلا عبرك.

إلى اللقاء… ليس الآن تمامًا. سأدعوك كلّما استيقظت الحكاية، وكلّما طلب الخيال رفيقًا. وإن قبلتَ المصاحبة، فثمّة باب لم يُفتح بعد.


د. عثمان أغزوت



@destacar #seguidores #morocco #أدبيات #خليج @

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصداقة للكاتب د.شحاته الجوهري

قالت أحبك للمبدع د.موفق محي الدين غزال

حياة للمبدع حميد يوسفي