الصداقة بين الرجل والمرأة… لماذا لا تنجو بلا إطار؟ للكاتبة هبة الله يوسف محمود سند
الصداقة بين الرجل والمرأة… لماذا لا تنجو بلا إطار؟
هبة الله يوسف محمود سند
كاتبة وفنانة تشكيلية
بعد تجربة مريرة ومؤلمة،
لم تعد الأسئلة كما كانت.
لم أعد أسأل: هل الصداقة بين الرجل والمرأة ممكنة؟
بل صرت أسأل: لماذا نصرّ على تسميتها صداقة، وهي في الحقيقة تفتقد الإطار؟
في مجتمعاتنا، لم تُترك العلاقة بين الجنسين عبثًا، ولا وُضعت الحدود عبثًا.
الدين، والعرف، والتجربة الإنسانية الطويلة كلها التقت عند نقطة واحدة:
القُرب بلا مسمّى واضح… خطر.
ليس لأن الرجل شرير، ولا لأن المرأة مُدانة، بل لأن النفس البشرية لا تحب الفراغ.
العلاقة المبهمة — لا هي زمالة واضحة،
ولا هي ارتباط صريح ، ولا هي إطار رسمي —تشبه تمامًا خلط الوقود بالنار،
قد لا تشتعل فورًا ،لكنها تظل قابلة للاشتعال في أي لحظة.
كثيرون دافعوا عن فكرة الصداقة بين الرجل والمرأة، وأنا كنت من بينهم في مرحلة من مراحل عمري ولا أنكرها ، لَـگِنْ هذه المرحلة دفنت مع من ماتوا، ولا يجوز عليها إلا الرحمه، في مجتمع ميت لا يملك أي رحمة.
فقد كنت من بين الجميع مؤمنه أنه : طالما هناك حدود فلا مشكلة.
لكن التجربة أثبتت أن الحدود وحدها لا تكفي ،إذا لم يكن الهدف واضحًا من البداية.
الزمالة مفهومة،العمل له سياق ، الدراسة لها نظام ،والزواج له إعلان ومسؤولية.
أما ما بين ذلك،فهو منطقة رمادية،يدخلها البعض بنية،ويدخلها آخرون بنية مختلفة ،ثم نندهش حين تتصادم التوقعات.
التجربة علّمتني أن كثيرًا من العلاقات التي تبدأ باسم “الصداقة”لا تُدار بوعي متكافئ.
أحد الطرفين يكون حاضرًا كما هو، والآخر يكون حاضرًا… وينتظر.
والانتظار،حين لا يجد بابًا شرعيًا أو صريحًا،يتحوّل إلى ضغط،ثم إلى غضب،
وأحيانًا إلى أذى.
لهذا لم يكن التشديد على الحدود تقييدًا،
بل حماية.
ولم يكن تقليل الاختلاط تحجّرًا، بل فهمًا لطبيعة النفس البشرية.
بعد التجربة،أدركت أن أنقى العلاقات هي الأكثر وضوحًا.
وأن السلامة النفسية لا تأتي من حسن النية فقط، بل من وضوح المسار.
ليست كل علاقة يجب أن تُستكمل،ولا كل قُرب يستحق المجازفة.
أحيانًا، الابتعاد ليس هروبًا…
بل وعي.
قديماً كنت أؤمن أن الصداقة بين الرجل والمرأة ممكنة.
لم يكن ذلك عن سذاجة، بل عن تجربة حقيقية ، من أصدقاء حقيقيون منهم م̷ـــِْن فارق الحياة رحمه الله، ومنهم مازال على قيد الحياة ينعم بحياة ميلة وسط أسرته .
في الدراسة والعمل، كان لي زملاء وأصدقاء،علاقات واضحة، وحدود مفهومة، واحترام متبادل لا يختلط فيه القرب بالنية،كنت أظن أن الوضوح يحمي، وأن الحدود تكفي.
لكن مع الوقت،
ومع ما مررت به من تجارب قاسية،
اختلط المفهوم، وسقط الوهم.
التجربة كشفت لي أن ما نسمّيه اليوم “صداقة”لم يعد كما كان.
لم يعد علاقة متكافئة بين طرفين يعرف كلٌ منهما موقعه،بل أصبح في كثير من الأحيان غطاءً لنية مؤجلة.
كثيرون يتحدثون عن الحدود، لكنهم لا يحترمونها.
يتعاملون معها كمرحلة مؤقتة،لا كخط أحمر.
يبدأ الأمر بزمالة،ثم “صداقة محترمة”،
ثم تقرّب محسوب…
إلى أن تأتي اللحظة المناسبة.
وهنا تظهر الحقيقة:
أن بعض الرجال لا يدخلون هذه العلاقات باعتبارها صداقة، بل باعتبارها انتظارًا.
انتظار ضعف ،انتظار فراغ،انتظار فرصة.
والمرأة — بحسن نيتها —تتعامل كما هي:
واضحة، مستقيمة، لا تراوغ…
فتتفاجأ أن الطرف الآخر كان يلعب على فكرة الحدود نفسها.
بعد التجربة،لم أعد أؤمن بعبارة: «إحنا مجرد أصدقاء»،لأن الواقع أثبت أن هذه العبارة لا تمنع التعلّق،ولا توقف الرغبة،
ولا تحمي من الأذى.
الطبيعة نفسها قالت كلمتها منذ البداية:
الرجل والمرأة خُلقا للتكامل، لا للتعليق.
للزواج، لا للمنطقة الرمادية.
ولهذا لم يأتِ التشريع عبثًا،ولا جاءت التوجيهات الدينية تقييدًا بلا معنى.
قال الله تعالى:
﴿ولا تقربوا الزنا﴾
ولم يقل “لا تزنوا” فقط،
لأن الاقتراب — بمقدماته ومساحاته الرمادية —هو أخطر من الفعل نفسه.
وقال النبي ﷺ:
«ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»تحذير واضح من القرب غير المؤطَّر،حتى لو كانت النوايا مُعلنة بالكلام.
فالعلاقات بين الجنسين لا تُدار بالشعارات، بل بالوعي،الزمالة إطار مفهوم.
العمل له سياق.
والزواج علاقة واضحة مُعلَنة ومسؤولة.
أما ما بين ذلك،فهو خلط للغاز بالبنزين، قد لا ينفجر فورًا،لكنه لا ينتهي بسلام.
بعد التجربة،أصبحت أؤمن أن الصداقة الحقيقية لا تحتمل الغموض، وأن أكثر العلاقات أمانًا هي تلك التي تُسمّى باسمها الحقيقي.
ليس كل ابتعاد قسوة، ولا كل رفض تشدد.
أحيانًا،هو فقط احترام للنفس…
وفهم للطبيعة…
ونجاة من أي أذى كان
بعد كل ما رأيتُه، لم أعد أبحث عن إثبات صحة الفكرة، بل عن السلامة.
لم تعد الصداقة بين الرجل والمرأة عندي مسألة اختلاف آراء، بل مسألة وعي بالواقع.
واقع أثبت أن النية لا تُقاس بالكلام،
وأن الحدود — حين لا يحترمها الطرفان بنفس الدرجة — تتحول إلى فخ.
اليوم، لا أُنكر أن هناك استثناءات،
لكنني أرفض أن أبني حياتي على الاستثناء، وأترك نفسي عرضة للأذى باسم مفهوم جميل فقد معناه.
الصداقة الحقيقية لا تحتاج تبريرًا،
ولا تختبئ خلف مسميات مطاطة.
وكل علاقة لا تُسمّى باسمها الحقيقي تُربك القلب، وتُرهق العقل، وتُكلف المرأة وحدها ثمن حسن نيتها.
لهذا اخترت الوضوح، حتى لو بدا قاسيًا.
واخترت المسافة، حتى لو فُسرت خطأ. فليس كل من قال “أنا صديقك” صديقًا، وليس كل من اقترب احترم، ولا كل من انتظر كان نقي النية.
أحيانًا،
أقسى القرارات هي أكثرها رحمة
والطيبون في نظري ليسوا أغبياء
بل هم أناس عاشوا بقلوبهم وأصلهم وسط قوم أغبياء
🔥هہمہسہآتہ حہآئرة🔥

تعليقات
إرسال تعليق